صديق الحسيني القنوجي البخاري

250

فتح البيان في مقاصد القرآن

ويقال للراهب تبتل لانقطاعه عن الناس ، ووضع تبتيلا مكان تبتلا لرعاية الفواصل ، قال الواحدي والتبتل رفض الدنيا وما فيها والتماس ما عند اللّه ، وقيل المعنى أخلص إليه إخلاصا ، وقيل توكل عليه توكلا . رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر وابن عامر بجر رب على النعت لربك أو البدل منه أو البيان له ، وقرأ الباقون برفعه على أنه مبتدأ وخبره . لا إِلهَ إِلَّا هُوَ أو على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو رب الخ وقرأ زيد بن علي بنصبه على المدح ، وقرأ الجمهور الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ مفردين ، وقرأ ابن مسعود وابن عباس رضي اللّه عنهم المشارق والمغارب على الجمع ، وقد قدمنا تفسير المشرق والمغرب والمشرقين والمغربين والمشارق والمغارب . فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا أي إذا عرفت أنه المختص بالربوبية فاتخذه قائما بأمورك وعول عليه في جميعها ، وقيل كفيلا بما وعدك من الجزاء والنصر ، وفائدة الفاء أن لا تلبث بعد أن عرفت في تفويض الأمور إلى الواحد القهار إذ لا عذر لك في الانتظار بعد الإقرار . قال البقاعي وليس ذلك بأن يترك الإنسان كل عمل فإن ذلك طمع فارغ بل بالإجمال في طلب كل ما ندب الإنسان إلى طلبه ليكون متوكلا في السبب ، منتظرا المسبب ، فلا يهمل الأسباب ويتركها طامعا في المسببات ، لأنه حينئذ يكون كمن يطلب الولد من غير زوجة ، وهو مخالف لحكمة هذه الدار المبنية على الأسباب . وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ فيّ من الصاحبة والولد ، وفيك من الساحر والشاعر ، والأذى والسب والاستهزاء ولا تجزع من ذلك وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا أي لا تتعرض لهم ولا تشتغل بمكافآتهم وتجانبهم وتداريهم وكل أمرهم إلى اللّه فاللّه يكفيكهم ، وقيل الهجر الجميل الذي لا جزع فيه . وهذا كان قبل الأمر بالقتال . وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أي دعني وإياهم ولا تهتم بهم ، فإني أكفيك أمرهم وأنتقم لك منهم ، وقيل نزلت في المطعميين يوم بدر ، وهم عشرة ، وقد تقدم ذكرهم ، وقال يحيى بن سلام : هم بنو المغيرة ، وقال سعيد بن جبير : أخبرت أنهم اثنا عشر . أُولِي النَّعْمَةِ أي أرباب الغنى والسعة والترفه واللذة في الدنيا ، والنعمة بالفتح التنعم بالكسر الإنعام وبالضم المسرة . وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا أي تمهيلا قليلا ، على أنه نعت لمصدر محذوف ، أو زمانا قليلا على أنه صفة لزمان محذوف ، والمعنى أمهلهم إلى انقضاء آجالهم ، وقيل إلى نزول عقوبة الدنيا بهم كيوم بدر ، قالت عائشة : « لما نزلت هذه الآية لم يكن إلا يسيرا حتى كانت وقعة بدر » وقيل إلى يوم القيامة ، والأول أولى لقوله :